تكييف عقد المقاولة في الفقه بحسب التزام المقاول

مقال من إعداد : أ. د. محمد جبر الألفي


تمهيد:

عقد المقاولة - بوجه عام - قد يشتبه مع عدة عقود أخرى؛ كعقد البيع، وعقد السلم، وعقد الإجارة (إجارة الأشخاص)، وعقد الوكالة، وعقد الجعالة، وعقد الاستصناع، وقد بينت المادة (865) من القانون المدني العراقي نطاق عقد المقاولة، وحددت طبيعته بنصها على أنه:

1- يجوز أن يقتصر المقاول على التعهد بتقديم عمله، على أن يقدم رب العمل المادة التي يستخدمها المقاول، أو يستعين بها في القيام بعمله، ويكون المقاول أجيرًا مشتركًا.

2- كما يجوز أن يتعهد المقاول بتقديم العمل والمادة معًا، ويكون العقد استصناعًا.


وسوف نبين في فرعين:

1- تكييف عقد المقاولة إذا التزم المقاول بتقديم العمل والمواد.

2- تكييف عقد المقاولة إذا التزم المقاول بتقديم العمل فقط.

التزام المقاول بتقديم العمل والمواد:

أقرب العقود الفقهية شبهًا بعقد المقاولة الذي يلتزم فيه المقاول بتقديم العمل والمواد: هو عقد (الاستصناع) الذي اعتبره الفقه الحنفي عقدًا مستقلاًّ، يتميز بذاته وبخصائصه عن عقد السلم وعن عقد الإجارة، وبذلك انفرد الفقه الحنفي في نظرته إلى هذه المعاملة [1].

وقد يرد على هذا التكييف عدة اعتراضات:

1- أن جمهور الفقهاء من المالكية [2] والشافعية [3] والحنابلة [4] لا يعترفون بعقد الاستصناع الذي أجازه الحنفية استحسانًا، على خلاف القياس.

فالمالكية يعتبرون الاستصناع سلمًا، ولا يكون صحيحًا إلا إذا استجمع شروط السلم، والسلم - عندهم - بيع.

والشافعية يُدخلون الاستصناع تحت السلم بالصناعات، فيضبطونه بضوابط السلم، والسلم - عندهم - بيع.

والحنابلة يمنعون عقد الاستصناع، ويقولون: "لا يصح استصناع سلعة؛ لأنه باع ما ليس عنده على غير وجه السلم" [5].

وللرد على هذا الاعتراض نقول: إن الحنفية - كذلك - يعتبرون الاستصناع نوعًا من البيع، جاز استحسانًا على خلاف القياس؛ لأن الناس تعاملوا به في جميع الأعصار من غير نكير، فكان إجماعًا منهم على الجواز [6]، ولأن المعدوم قد يعتبر موجودًا حكمًا؛ كالناسي للتسمية، فكذلك المستصنع المعدوم جعل موجودًا حكمًا للتعامل [7].

2- يرى بعض فقهاء الحنفية أن الاستصناع مواعدة، وليس بيعًا، وإنما ينعقد بيعًا عند الفراغ من العمل وقبضه [8]، وحينئذ يكون بيعًا بالتعاطي [9]؛ ولهذا كان للصانع ألا يعمل، ولا يجبر عليه، بخلاف السلم، وللمستصنع ألا يقبل ما يأتي به ويرجع عنه ولا تلزم المعاملة [10].

وللرد على هذا الاعتراض نقول: إن إثبات الخيار لكل من الصانع والمستصنع لا يدل على أنه ليس بيعًا، ففي بيع المقايضة لو لم يكن كل منهما عين الآخر كان لكل منهما الخيار، وحين لزم جوازه علمنا أن الشارع اعتبر فيه المعدوم موجودًا، وفي الشرع كثير من هذا [11].

3- يرى جمهور فقهاء الحنفية أن عقد الاستصناع عقد غير لازم في مرحلته الأولى، من وقت انعقاده إلى وقت رؤية المستصنع الشيء المصنوع؛ ولهذا جاز للصانع أن يمتنع من الصنع، أو أن يبيع المصنوع قبل أن يراه المستصنع، وجاز للمستصنع أن يرجع في العقد قبل رؤيته الشيء المصنوع [12]، وتطبيق ذلك على مقاولات الإنشاء والتعمير - في صورها المعاصرة - يؤدي إلى ضرر فاحش وفساد كبير في التعامل.

ويرد هذا الاعتراض أن عددًا من كبار فقهاء الحنفية يرون أن عقد الاستصناع عقد لازم لكل من المتعاقدين منذ البداية[13] وتبنت مجلة الأحكام العدلية هذا الرأي على سبيل الاجتهاد الاستصلاحي، حين اتسعت مجالات الاستصناع لدرجة لا يمكن تجاهلها، ولا يستقيم الأمر بغير إلزامية الاستصناع [14]، وهو ما استقر عليه رأي مجمع الفقه الإسلامي في دورته السابعة - بجدة - سنة 1412هـ / 1992م، حين قرر: "أن عقد الاستصناع - وهو عقد وارد على العمل والعين في الذمة - ملزم للطرفين، إذا توافرت فيه الأركان والشروط"[15].

رأينا الخاص:

يعتبر عقد المقاولة - الذي يلتزم فيه المقاول بتقديم العمل والمواد - عقدًا مستقلاًّ، ملزمًا للطرفين، يسمى عقد مقاولة الإنشاء والتعمير، ويخضع لاتفاق الطرفين، بما لا يخالف حُكمًا فقهيًّا مجمعًا عليه، أو قاعدة آمرة نص عليها نظام داخلي أو اتفاقات دولية لا تخالف المبادئ العامة في الشرع الإسلامي.

التزام المقاول بتقديم العمل فقط:

أقرب العقود الفقهية شبهًا بعقد المقاولة الذي يلتزم فيه المقاول بتقديم العمل - فقط - هو عقد الإجارة (إجارة الأشخاص)، الذي تقرر جوازه (بغير خلاف بين أهل العلم)[16]؛ جاء في البدائع: "فإن أسلم إلى حدَّاد حديدًا ليعمل له إناءً معلومًا بأجر معلوم، أو جِلدًا إلى خفَّاف ليعمل له خُفًّا معلومًا بأجر معلوم، فذلك جائز، ولا خيار فيه؛ لأن هذا ليس باستصناع، بل هو استئجار، فإن عمل كما أُمِر استحق الأجر، وإن فسد فله أن يضمنه حديدًا مثله"[17].

ويبقى بعد ذلك تحديد نوع هذه الإجارة تبعًا لمن يمارسها، هل هو أجير خاص، أو أجير مشترك؟ نحن نستبعد أن يكون المقاول الذي يقدم العمل فقط أجيرًا خاصًّا؛ لأن المستأجر لا يختص بنفعه في مدة العقد دون سائر الناس [18]، ولأنه لا يستحق الأجر بمجرد تسليم نفسه، فالأقرب إلى أدبيات الفقه الإسلامي اعتباره أجيرًا مشتركًا، (فالأجير المشترك هو الصانع) [19].


رأينا الخاص:

يعتبر عقد المقاولة الذي يلتزم فيه المقاول بتقديم العمل فقط عقدًا مستقلاًّ ملزمًا للطرفين، يسمى عقد مقاولة الإنشاء والتعمير، ويخضع لاتفاق طرفيه بما لا يخالف حُكمًا فقهيًّا مجمعًا عليه، أو قاعدة آمرة نص عليها نظام داخلي أو اتفاق دولي غير مخالف للمبادئ العامة في الشرع الإسلامي.

[1] الكاساني، بدائع الصنائع: 5/ 209 - 210، ابن عابدين، حاشية: 4/ 213، الفتاوى الهندية: 2/ 207، مصطفى الزرقا، عقد الاستصناع ومدى أهميته في الاستثمارات الإسلامية المعاصرة، البنك الإسلامي للتنمية - المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، ط 2: 1420هـ. [2] الحطاب، مواهب الجليل: 4/ 593 - 540، الدسوقي، حاشية على الشرح الكبير للدردير: 3/ 216. [3] النووي، روضة الطالبين: 4/3. [4] المرداوي، الإنصاف: 4/ 300. [5] المرجع السابق، الموضع نفسه. [6] الكاساني، بدائع الصنائع: 5/ 209 - 210. [7] البابرتي، العناية على الهداية - مع فتح القدير: 5/ 355. [8] الكاساني، بدائع الصنائع: 5/ 209. [9] ابن الهمام، فتح القدير: 5/ 355، ونسب هذا الرأي إلى الحاكم الشهيد، والصفار، ومحمد بن سلمة، وصاحب المنثور. [10] المرجع السابق، الموضع نفسه. [11] المرجع السابق، الموضع نفسه. [12] ابن الهمام، فتح القدير: 5/ 355، والعناية للبابرتي في الموضع نفسه، الكاساني، بدائع الصنائع: 5/ 209 - 210، الفتاوى الهندية: 2/ 207. [13] ابن عابدين، الحاشية: 4/ 213، ونقله عن: الدرر، ومختصر الوقاية، وخزانة المفتن، وروي هذا القول عن أبي يوسف، الفتاوى الهندية: 2/ 208. [14] المادة (392): "إذا انعقد الاستصناع فليس لأحد العاقدين الرجوع ..."، وانظر في شرحها: علي حيدر، وسليم رستم باز، والأتاسي. [15] قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي، دمشق: 1418هـ - 1998م، ص 144، وانظر بحوث الاستصناع التي قدمت ونوقشت في هذه الدورة في مجلة المجمع، العدد السابق، الجزء الثاني. [16] ابن قدامة، المغني ومعه الشرح الكبير: 6/ 105 - 106. [17] الكاساني، بدائع الصنائع: 5/4. [18] ابن قدامة، المغني: 6/ 106. [19] ابن قدامة، المرجع السابق، الموضع نفسه.


رابط الموضوع : https://www.alukah.net/sharia/0/114354/#ixzz6Y0nI6ovl






© 2020 جميع الحقوق محفوظة لدى الراجحي للمحاماة والاستشارات القانونية